كتب

قراءة في كتاب “النفط والعلاقات الدولية” لمحمد الرميحي.. كيف رسم “الذهب الأسود” ملامح السياسة والمجتمع؟

يعد النفط المحرك الأساسي للتاريخ الحديث في منطقة الشرق الأوسط، فهو ليس مجرد مادة خام تُستخرج من باطن الأرض،

بل هو أداة جيوسياسية أعادت صياغة خريطة القوى العالمية.

 في كتابه الرائد “النفط والعلاقات الدولية: وجهة نظر عربية”، يقدم المفكر والدكتور الكويتي محمد الرميحي تشريحاً دقيقاً ومعمقاً لهذه الظاهرة.

لا يكتفي الرميحي بالنظرة الاقتصادية الضيقة، بل يغوص في الأبعاد الاجتماعية والسياسية، محاولاً الإجابة على السؤال الجوهري:

هل كان النفط نعمة أم نقمة على العرب؟ وكيف أثرت هذه الثروة على علاقتنا بالغرب؟

سنتناول في هذا التقرير التفصيلي مراجعة شاملة للكتاب، مستعرضين رؤية الرميحي للعلاقة المعقدة بين الطاقة والسياسة،

مع التركيز على مفاهيم “السيادة”، “التبعية”، والتحولات التي طرأت على المجتمعات العربية منذ اكتشاف أول قطرة زيت.

السياق التاريخي: من الامتيازات الأجنبية إلى السيطرة الوطنية

يبدأ الدكتور محمد الرميحي في كتابه بتتبع جذور اكتشاف النفط في المنطقة العربية، مسلطاً الضوء على حقبة “الامتيازات” التي منحتها الدول الاستعمارية لشركاتها الكبرى، والتي عُرفت تاريخياً بـ “الأخوات السبع”.

يوضح الرميحي كيف كانت هذه الشركات تدير النفط العربي وكأنه ملكية خاصة، بعيداً عن سيادة الدول الأصلية.

تشير القراءة في “النفط والعلاقات الدولية” إلى أن هذه المرحلة لم تكن اقتصادية بحتة، بل كانت تكريساً لتبعية سياسية مطلقة.

ولكن مع صعود حركات التحرر الوطني ونشوء منظمة “أوبك” (OPEC)، بدأت الكفة تميل لصالح الدول المنتجة.

يحلل الرميحي هنا لحظة التحول الكبرى في السبعينيات، حينما بدأت الدول العربية تدرك أن امتلاكها لمنابع الطاقة يمنحها مقعداً دائماً على طاولة الكبار في السياسة الدولية.

كتاب “سجناء الجغرافيا” لتيم مارشال: فهم صراعات العالم عبر الخرائط العشر (تحليل وملخص شامل)

النفط كسلاح سياسي: ملحمة 1973 وما بعدها

يفرد محمد الرميحي مساحة واسعة في كتابه لتحليل استخدام “النفط كسلاح سياسي” خلال حرب أكتوبر 1973.

يرى المؤلف أن هذه اللحظة كانت ذروة التضامن العربي، حيث تم استخدام الطاقة للضغط على القوى الغربية الداعمة لإسرائيل.

يرى الرميحي أن تجربة 1973 غيرت النظرة العالمية للمنطقة العربية؛ فلم تعد مجرد مساحة جغرافية صحراوية، بل أصبحت قلباً نابضاً للاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، يحذر الرميحي من أن رد الفعل الغربي كان استراتيجياً وطويل الأمد، من خلال إنشاء وكالة الطاقة الدولية والبحث عن بدائل،

مما جعل “سلاح النفط” سلاحاً ذو حدين، قد ينعكس أثره على الدول المنتجة إذا لم يتم التعامل معه بحكمة ودبلوماسية.

العلاقات العربية الغربية: التبعية المتبادلة أم صراع الإرادات؟

من أهم المحاور التي ركز عليها كتاب “النفط والعلاقات الدولية” هي طبيعة العلاقة مع الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية.

يطرح الرميحي رؤية “وجهة النظر العربية” التي تشعر بالمرارة تجاه استغلال الموارد.

يحلل الكتاب كيف تحول النفط إلى “عقد أمني”؛ حيث يضمن الغرب تدفق النفط بأسعار معقولة، مقابل ضمان أمن الأنظمة والدول في منطقة مضطربة.

الدكتور محمد الرميحي يرى أن هذه العلاقة خلقت نوعاً من “التبعية الهيكلية”، حيث أصبح الاقتصاد العربي مرتبطاً بشكل عضوي بأسواق الاستهلاك الغربية،

مما حد من قدرة الدول العربية على بناء اقتصاد صناعي مستقل بعيداً عن تقلبات أسعار البرميل.

الأبعاد الاجتماعية: صدمة الثروة والدولة الريعية

بصفته عالم اجتماع بارز، لا يغفل الرميحي التأثيرات الاجتماعية للنفط. يتحدث الكتاب عن مفهوم “الدولة الريعية”،

وهي الدولة التي تعتمد في دخلها الأساسي على بيع الموارد الطبيعية بدلاً من الإنتاج والضرائب.

يوضح الرميحي أن التدفق الهائل للأموال النفطية أدى إلى تحولات اجتماعية سريعة وغير متوازنة.

فمن جهة، ارتفعت مستويات المعيشة والتعليم والصحة، ومن جهة أخرى، نشأت ثقافة “الاستهلاك المفرط” وتراجعت قيمة العمل والإنتاج.

يرى المؤلف أن النفط خلق “جيلاً ريعياً” يعتمد على عطاءات الدولة، مما أضعف العلاقة التعاقدية بين الحاكم والمحكوم،

وقلل من فرص الإصلاح السياسي الحقيقي في بعض الفترات.

النفط والنزاعات الإقليمية: فتيل الحروب المستمر

يناقش الكتاب كيف كان النفط دافعاً أساسياً للعديد من النزاعات في الشرق الأوسط.

يشير الرميحي إلى أن الموقع الاستراتيجي لحقول النفط جعل المنطقة ساحة لتصفية الحسابات الدولية.

من الحرب العراقية الإيرانية وصولاً إلى غزو الكويت، كان “الذهب الأسود” حاضراً دائماً كمحرك للأحداث أو كجائزة كبرى للمنتصر.

يعتقد محمد الرميحي أن القوى الكبرى، وتحت ستار “حماية ممرات الطاقة” أو “الديمقراطية”، تدخلت مراراً في الشؤون العربية لضمان بقاء تدفقات النفط بعيدة عن أي تهديدات راديكالية.

هذه التدخلات، بحسب وجهة النظر العربية التي يطرحها الكتاب، ساهمت في زعزعة الاستقرار الإقليمي بدلاً من تعزيزه.

مستقبل النفط في ظل التحول الطاقي العالمي

رغم أن الكتاب كُتب في فترة كانت السيادة فيها للوقود الأحفوري، إلا أن رؤية الرميحي كانت استشرافية.

يتساءل الكتاب عن مصير الدول العربية في عصر “ما بعد النفط”.

يشدد المؤلف على ضرورة تنويع مصادر الدخل والاستثمار في الإنسان قبل نفاد الموارد أو تراجع أهميتها أمام الطاقة المتجددة.

الكلمة الرئيسية هنا هي “الاستدامة”.

يرى الرميحي أن العلاقات الدولية في المستقبل لن تقوم على من يملك النفط فحسب، بل على من يملك التكنولوجيا والقدرة على الابتكار.

 الكتاب يدعو الحكومات العربية إلى استغلال ما تبقى من “زمن النفط” لبناء قواعد اقتصادية متينة لا تتأثر بهزات أسواق الطاقة العالمية.

كتاب “الآثار الاقتصادية للسلام”: كيف فسر جون ماينارد كينز علاقة الحروب بالتضخم ؟              

تحليل نقدى: هل نجح الرميحي في تقديم “وجهة نظر عربية” خالصة؟

عند مراجعة كتاب “النفط والعلاقات الدولية”، نجد أن محمد الرميحي نجح إلى حد كبير في تفكيك السردية الغربية التي كانت تصور العرب كمجرد “حراس آبار”.

لقد قدم رؤية تنطلق من هموم الإنسان العربي، ومن تطلعات الشعوب في حياة كريمة وسيادة حقيقية على مواردها.

ومع ذلك، يلاحظ بعض النقاد أن الكتاب يميل أحياناً إلى لوم القوى الخارجية (الغرب والشركات الكبرى) بشكل يفوق لوم السياسات الداخلية،

 لكن الرميحي يعوض ذلك بنقده الاجتماعي اللاذع للبنية الاجتماعية التي أفرزتها الثروة النفطية، مما يجعل الكتاب متوازناً في نهاية المطاف.

النفط كأمانة تاريخية

في ختام كتابه، يتركنا محمد الرميحي أمام رسالة واضحة: النفط هو فرصة تاريخية قد لا تتكرر.

العلاقات الدولية المبنية على الطاقة هي علاقات مصالح متغيرة، وما يبقى للدول هو قدرتها على تحويل هذه الثروة الناضبة إلى أصول معرفية وصناعية دائمة.

يبقى كتاب “النفط والعلاقات الدولية: وجهة نظر عربية”مرجعاً لا غنى عنه لكل باحث في الشأن السياسي والاقتصادي.

 إنه ليس مجرد كتاب عن النفط، بل هو مرآة تعكس طموحات وانكسارات العقل العربي في مواجهة القوى العظمى، وتذكيراً بأن الثروة الحقيقية تكمن في العقول لا في حقول الزيت.

Reda Khalil

صحفي يعمل في مؤسسة روز اليوسف المصرية ، عضو نقابة الصحفيين في مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى