سينما

مراجعة فيلم "بيت الأرواح": هل أفقد الممثلون العالميون قصة إيزابيل الليندي روحها؟

تُعد رواية بيت الأرواح (The House of the Spirits) للكاتبة التشيلية الشهيرة إيزابيل الليندي واحدة من أعظم الملاحم الأدبية التي جسدت روح أمريكا اللاتينية، بكل ما فيها من صراعات سياسية، وأشباح تسكن الزوايا، وعواطف جياشة تصل إلى حد الانفجار.

لكن، عندما قررت السينما العالمية تحويل هذا النص إلى فيلم في عام 1994، وُضع هذا “البركان اللاتيني” بين يدي مخرج دنماركي بارد وطاقم تمثيل أوروبي وأمريكي بامتياز، مما أدى إلى واحدة من أغرب التجارب السينمائية التي أثارت جدلاً نقدياً واسعاً.

في هذه المراجعة، نستعرض رؤية الناقد الراحل روجر إيبرت الذي رأى في الفيلم “جسداً بلا روح”، وكيف تحولت الميلودراما المليئة بالسحر والسموم إلى دراما فكرية مثقلة بالبرود.

مراجعة فيلم بيت الأرواح 1994 : كيمياء سينمائية معكوسة

القصة التي ترويها إيزابيل الليندي هي في جوهرها “ميلودراما لاتينية” نابضة بالحياة، مشبعة بالأشباح، السحر، الانتقام، والرومانسية.

إن مادة مثل هذه تتطلب معالجة سينمائية تتسم بالتحرر والاندفاع العاطفي.

ومع ذلك، وبفعل “كيمياء غريبة” غير موفقة، حوّل الفيلم هذه الحكاية إلى دراما فكرية كئيبة غارقة في التأمل.

لا تزال هناك أشباح في الفيلم، لكنها تفتقر إلى الحيوية؛ فهي تظهر بنفس الوتيرة والجمود الذي يظهر به شبح والد “هاملت” في مسرحيات شكسبير.

لقد غاب الشغف اللاتيني ليحل محله الوقار الأوروبي الذي لا يتناسب مع طبيعة النص الأصلي، وهو ما جسد الفرق بين رواية بيت الأرواح والفيلم.

المخرج بيل أوغست: النغمات الخاطئة في المكان الخطأ

تولى المخرج الدنماركي بيل أوغست كتابة وإخراج الفيلم، وهو المعروف بأسلوبه الفني الرفيع الذي ظهر في فيلمه السابق “Best Intentions”.

لكن المشكلة تكمن في أن أوغست حاول استخدام نفس “النغمات” التي نجحت في تصوير حياة البروتستانت السويديين الهادئة والباردة، ليطبقها على قصة تدور في مزرعة بأمريكا اللاتينية مليئة بالعنف، الثورة، وقسم الدم بالانتقام.

هذا التوجه الإخراجي بدا وكأنه “مفارقة زمنية وثقافية” (Anachronism).

فبدلاً من أن نشعر بحرارة الشمس التشيلية وصخب الثورات، وجدنا أنفسنا أمام مشهديات بصرية تبدو وكأنها مقتبسة من لوحة سويدية كئيبة، مما خلق فجوة بين هوية القصة وبين أسلوب عرضها.

معضلة الاختيارات الفنية: ممثلون في المجتمع الخطأ

عند الحديث عن أداء ميريل ستريب في بيت الأرواح أو مشاركة جيريمي آيرونز وغلين كلوز، فنحن أمام قائمة من “آخر الممثلين الذين قد تتخيلهم” وأنت تقرأ رواية إيزابيل الليندي.

لقد برع هؤلاء العمالقة في نطق الكلمات، لكنهم -بتعبير مارك توين- “لم يعرفوا الموسيقى”.

المشكلة ليست في موهبتهم؛ فجيريمي آيرونز، على سبيل المثال، قدم أداءً حرفياً مذهلاً في تصوير مراحل تقدم شخصيته في العمر من الشاب الطموح إلى العجوز المتسلط.

ولكن، رغم براعته، كان يبدو دائماً كرجل يعيش في “المجتمع الخطأ”.

فيلم بيت الأرواح بطولة ميريل ستريب وجيريمي آيرونز - The House of the Spirits
فيلم بيت الأرواح بطولة ميريل ستريب وجيريمي آيرونز – The House of the Spirits

عندما نرى آيرونز في دور السيناتور العجوز الذي يثور لعدم معاملته باحترام، فإنه يبدو كـ “إيرل” أوروبي (لقب نبيل) تم نقله إلى بيئة غريبة، أكثر مما يبدو كمالك أرض أمريكي لاتيني أصيل يشعر بالإهانة.

“بيرسونا”: عندما أسقطت السينما السويدية أقنعة الأنوثة

وينونا رايدر: الإشراقة الوحيدة في العتمة

على عكس بقية طاقم العمل، بدت وينونا رايدر، التي لعبت دور الابنة “بلانكا”، أكثر إقناعاً.

رغم أنها كانت اختياراً مستبعداً أيضاً (خاصة بعد دورها فيThe Age of Innocence)، إلا أنها نجحت في منح الشخصية قدراً من الاندفاع والشغف والتحرر، مما جعل دورها نابضاً بالحياة وسط جمود الآخرين.

قصة The House of the Spirits : ثلاثة أجيال من القسوة والثورة

يمتد فيلم بيت الأرواح (The House of the Spirits) عبر ثلاثة أجيال لعائلة تعيش في بلد يشبه تشيلي أو الأرجنتين.

تبدأ الأحداث مع “إستيبان” (جيريمي آيرونز)، الشاب الطموح الذي يقع في حب ابنة رجل ثري، ويقسم أن يصبح غنياً بما يكفي للزواج منها.

بعد وفاة خطيبته مسمومة (بسم كان موجهاً لوالدها)، ينتقل إستيبان إلى مزرعة معزولة ويكرس 20 عاماً لتحويلها إلى مكان نموذجي.

لكنه خلال هذه الرحلة يكشف عن وجهه القبيح؛ فيغتصب النساء الفلاحات ويسحق عماله تحت وطأة حكمه الحديدي.

عندما يعود إلى المدينة، يلتقي بـ “كلارا” (ميريل ستريب)، الأخت الصغرى لخطيبته الراحلة، والتي كانت قد قطعت عهداً بالصمت لسنوات، لكنها تكسره لتقول له: “لقد جئت لتطلب يدي”.

يعود بها إلى المزرعة، وهناك ينجبان ابنتهما “بلانكا” (وينونا رايدر)، التي تقع لاحقاً في حب “بيدرو” (أنطونيو بانديراس)، الشاب الثوري الذي يحرض العمال على التمرد.

الشخصية “المنحطة” وصراع الأجيال

يتم تصوير إستيبان كـ “نذل فاسد” بامتياز، يدفعه غروره لنفي أخته “فيرولا” (غلين كلوز) من المزرعة لأنها أصبحت قريبة جداً من زوجته.

يضرب زوجته، يطرد ابنته، ويطلق النار على بانديراس، ومع كل ذلك، يترشح للبرلمان كعضو محافظ.

في هذه الأثناء، نرى الابن غير الشرعي الذي أنجبه إستيبان من اغتصاب الفلاحة، وقد كبر ليصبح شاباً حاقداً يراقب والده من بعيد، ثم يبتزه ليرسله إلى الأكاديمية العسكرية، ليعود لاحقاً في صورة “معذب” ومنكل بالبشر خلال الانقلاب العسكري، في دائرة من الانتقام والقدر المحتوم.

الواقعية السحرية: عندما تتحول المعجزة إلى “خطأ اجتماعي”

في رواية الليندي، تمتلك “كلارا” قدرات خارقة للطبيعة، مثل التخاطر وتحريك الأشياء عن بعد، وهي هبات تتقبلها العائلة بشكل عادي.

لكن الفيلم تعامل مع الواقعية السحرية -التي هي جوهر أدب أمريكا اللاتينية- كأنها “زلة اجتماعية محرجة”.

عندما تحرك الطفلة كلارا شمعداناً بقوة عقلها، توبخها والدتها بصرامة.

تحليل فيلم Lust Caution: ملحمة الحب والخيانة في سينما آنغ لي

وفي ليلة زفافها، تجعل الطاولة تطفو في الهواء، فيقوم إستيبان بدفعها إلى مكانها بملل.

لم يجعل صناع الفيلم هذه القدرات جزءاً لا يتجزأ من السرد، بل عاملوها كـ “ديكور” أو زينة هامشية، مما أفقد القصة عمقها الميتافيزيقي.

لماذا ينجح الفيلم ويفشل في آن واحد؟

يعمل الفيلم على مستوى معين لمجرد أنه يحكي قصة مثيرة للاهتمام.

الشخصيات مرسومة بوضوح، والحبكة تقدم نوعاً من “العدالة الشعرية”، والمواقع التصويرية تعكس واقعاً ملموساً.

منازل العائلات الغنية المليئة بالتحف الغالية تتحدث بلغة بليغة عن قيمهم المادية وتقاليدهم.

ولكن، عند مقارنة هذا العمل بفيلم مثل “Like Water For Chocolate” (مثل الماء للشوكولاتة)، نجد الفرق الشاسع.

الفيلم الأخير يتنفس من جذوره، ويغمرنا بشغفه وهويته الأصيلة.

أما فيلم بيت الأرواح، فيبدو كإنتاج “مستعار”؛ وكأنك تشاهد مسرحية فرنسية بأسماء إيطالية، أو عملاً بريطانياً بملابس لاتينية.

كل الأسماء صحيحة، والأحداث تقع في موعدها، والممثلون هم الأفضل عالمياً، لكن “الروح” تاهت في الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى