تقرير

تأميم "بريتش ستيل": صراع بريطانيا والصين وبداية موجة تأميم الصناعات الاستراتيجية عالمياً

في خطوة وُصفت بأنها “نقطة تحول” في مسار الرأسمالية الغربية، أقدمت الحكومة البريطانية على تأميم شركة “بريتش ستيل” (British Steel)، العملاق الصناعي الذي كانت تمتلكه مجموعة “جينجي” (Jingye) الصينية.

هذا القرار لم يشعل فتيل أزمة دبلوماسية بين لندن وبكين فحسب، بل فتح الباب على مصراعيه لتساؤلات كبرى حول مستقبل التجارة العالمية وحرية انتقال رؤوس الأموال وقواعد منظمة التجارة الدولية.

وبينما نددت الصين بالخطوة معتبرة إياها “انتهاكاً صارخاً للأعراف الدولية”، يرى مراقبون أن العالم بصدد الدخول في حقبة جديدة تُعرف بـ “اقتصاد الحصن”،

 حيث تعود الدولة لتلعب دور “المالك” و”الحامي” للصناعات الاستراتيجية، معلنةً بذلك الوفاة الإكلينيكية لعصر العولمة المفتوحة.

الأمن القومي فوق منطق السوق

ذكرت صحيفة “الفاينانشال تايمز” (The Financial Times) في تقرير تحليلي لها أن الحكومة البريطانية وصلت إلى قناعة بأن ترك قطاع الصلب في يد استثمارات أجنبية “غير مستقرة سياسياً” يمثل تهديداً وجودياً للأمن القومي.

وأشارت الصحيفة إلى أن المفاوضات مع مجموعة “جينجي” الصينية بشأن دعم تحول المصانع إلى الطاقة الخضراء وصلت إلى طريق مسدود، مما دفع لندن لاتخاذ “الخيار النووي” وهو التأميم.

من جانبها، علقت صحيفة “الغارديان” (The Guardian) بأن هذا القرار ليس مجرد إنقاذ لوظائف آلاف العمال، بل هو اعتراف بفشل سياسات “الخصخصة” التي انتهجتها مارغريت ثاتشر في الثمانينيات.

ونقلت الصحيفة عن مصادر حكومية أن “الصلب هو عصب الصناعات الدفاعية والبنية التحتية، ولا يمكن تركه لتقلبات الجيوسياسة”.

التنديد الصيني: صراع القواعد الدولية

رد الفعل الصيني جاء سريعاً وحاداً؛ حيث وصفت وزارة التجارة الصينية الخطوة بأنها “تسييس للقضايا الاقتصادية”.

واعتبرت بكين أن بريطانيا تستخدم “الأمن القومي” كذريعة لممارسة الحماية التجارية، مؤكدة أن هذا النهج يقوض ثقة المستثمرين الدوليين في السوق البريطانية.

ويرى الخبراء أن هذا الصدام يمثل مواجهة بين نموذجين: “رأسمالية الدولة” الصينية التي تُتهم بدعم شركاتها، و”السيادية الاقتصادية” الغربية الجديدة التي بدأت تتبنى أدوات التأميم لمواجهة النفوذ الصيني.

تاريخ التأميم في الدول الديمقراطية: العودة إلى “دولة الرفاه”؟

يعتقد الكثيرون أن التأميم هو سمة من سمات الأنظمة الاشتراكية، لكن التاريخ يثبت أن الدول الغربية الديمقراطية لجأت إليه مراراً في لحظات الأزمات الكبرى:

  1. المملكة المتحدة: في أعقاب الحرب العالمية الثانية، قامت حكومة العمال بتأميم قطاعات الفحم والسكك الحديدية والصلب لإعادة بناء الاقتصاد.

وحتى في العصر الحديث، قامت بريطانيا بتأميم بنك “نورثرن روك” خلال أزمة 2008 المالية.

2.  فرنسا: تُعد فرنسا رائدة في هذا المجال؛ ففي عام 2022، أعلنت الحكومة الفرنسية التأميم الكامل لشركة الكهرباء العملاقة (EDF) لضمان أمن الطاقة خلال أزمة الحرب في أوكرانيا.

3.  الولايات المتحدة: رغم تمسكها بالرأسمالية المتشددة، قامت واشنطن فعلياً بتأميم “جنرال موتورز” لفترة وجيزة خلال أزمة 2009 لإنقاذ صناعة السيارات، وتستخدم حالياً “قانون الإنتاج الدفاعي” للتدخل في مسارات التصنيع.

وأشار تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times) إلى أن ما يحدث اليوم يختلف؛ فالتأميمات السابقة كانت “إسعافية” لإنقاذ شركات من الإفلاس، أما تأميم “بريتش ستيل” فهو “تأميم استراتيجي” يهدف إلى إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للصناعة.

“قبضة التنين”: الصين تحكم الاقتصاد العالمي بالمعادن النادرة والسيارات الكهربائية

نهاية العولمة وبروز عصر “الحمائية الجديدة”

تأميم “بريتش ستيل” ليس حدثاً معزولاً، بل هو جزء من موجة دولية تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.

نحن نشهد الآن ما يسميه الاقتصاديون “نهاية عصر العولمة السعيدة”.

فرض التعريفات الجمركية: بدأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بفرض تعريفات باهظة على السيارات الكهربائية والألواح الشمسية الصينية.

لم تعد المنافسة تعتمد على “السعر الأرخص”، بل على “المنشأ الأكثر أماناً”.

إعادة توطين الصناعات (Reshoring): تتسابق الدول الغربية لتقديم إعانات بمليارات الدولارات (مثل قانون الرقائق الأمريكي) لجذب المصانع للعودة إلى أراضيها، خوفاً من انقطاع سلاسل التوريد.

السيادة التكنولوجية: تحول الاقتصاد من البحث عن الكفاءة إلى البحث عن “المرونة” (Resilience).

لم يعد مقبولاً في واشنطن أو لندن أن تعتمد الصناعات العسكرية أو الطبية على مواد خام تأتي من خصوم جيوسياسيين.

هل نحن بصدد موجة تأميم عالمية؟

تشير تحقيقات نشرتها مجلة “الإيكونوميست” (The Economist) تحت عنوان “اقتصاد الوطن” (Homeland Economics)، إلى أن الحكومات الغربية أصبحت أكثر استعداداً للتدخل المباشر في الملكية الخاصة.

ويتوقع الخبراء أن تمتد هذه الموجة لتشمل:

1-قطاع الطاقة: خاصة مصادر الطاقة المتجددة والهيدروجين.

2-قطاع التكنولوجيا الحيوية: لضمان الأمن الصحي بعد دروس جائحة كورونا.

قطاع المعادن النادرة: التي تتحكم الصين بنسبة كبيرة من إنتاجها العالمي.

الآثار المترتبة على التجارة العالمية

إن تحول الدول الكبرى نحو التأميم والتعريفات الجمركية يعني تراجع دور منظمة التجارة الدولية، وتدهور قواعد السوق الحرة .

نحن ننتقل من شعار عالم “الكل يربح” عبر التجارة المفتوحة، إلى عالم “المناطق الاقتصادية المغلقة” أو ما يُعرف بـ (Friend-shoring)، حيث يتم تبادل السلع والاستثمارات فقط بين الدول الحليفة سياسياً.

لذلك فإن تأميم “بريتش ستيل” يبعث برسالة قوية: “قواعد اللعبة تغيرت”.

لم يعد رأس المال الأجنبي مرحباً به إذا كان يمنح الخصوم نفوذاً على البنية التحتية الأساسية.

مستقبل مجهول للرأسمالية

يمثل تأميم بريطانيا لشركة مملوكة للصين لحظة فارقة في تاريخ الاقتصاد الحديث.

إنه اعتراف علني بأن “اليد الخفية” للسوق لم تعد كافية لحماية المصالح الوطنية في عالم مضطرب.

وبينما تندد الصين بالخطوة، فإن الواقع يشير إلى أن قطار “تأميم الاستراتيجيات” قد انطلق، ولن تتوقف محطاته عند حدود بريطانيا فقط.

لقد ولى زمن العولمة التي لا تعرف الحدود، وحل مكانها زمن “السيادة الصناعية”، حيث تصبح المصانع والمناجم قلاعاً وطنية، وتصبح التجارة أداة من أدوات الحرب بأسلوب آخر.

Reda Khalil

صحفي يعمل في مؤسسة روز اليوسف المصرية ، عضو نقابة الصحفيين في مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى