موسيقى

كيف تشفينا الألحان؟ طبيبة أمريكية تكشف تأثير الموسيقى على الصحة النفسية والدماغ

لطالما كان العلاج بالموسيقى علماً ضارباً في أعماق التاريخ؛ فمنذ زمن “فيثاغورس”، الذي كان أول من استخدم الموسيقى كعلاج موصوف

للاضطرابات العاطفية والجسدية، تطورت هذه الحدسيات القديمة لتصبح الركيزة الأساسية للممارسات الحديثة.

واليوم، يتحد هذا الإرث مع علم الأعصاب لتقديم تدخلات قائمة على الموسيقى لعلاج مجموعة واسعة من الأمراض والاضطرابات.

توضح الدكتورة كثلين م. هولاند، الطبيبة ومعلمة الموسيقى المتخصصة في الربط بين عوالم علم الأعصاب والموسيقى،

أن استجابتنا للموسيقى تبدأ في وقت أبكر مما نتخيل؛ وتحديداً داخل الرحم.

الجنين والموسيقى: ذاكرة تبدأ قبل الولادة

في الثلث الأخير من الحمل، يبدأ الجنين في سماع الأصوات الخارجية، بما في ذلك الكلام والموسيقى،

ويصبح قادراً على تمييز العناصر الموسيقية لكليهما.

وتؤكد الدراسات أن الرضع يستجيبون بشكل مختلف للموسيقى والقصص التي سمعوها مسبقاً مقارنة بالأصوات الجديدة،

مما يشير إلى وجود قدرة مبكرة على الذاكرة الموسيقية.

هذه القدرة على التمييز هي التي تتيح للطفل لاحقاً تعلم النطق واللغة.

وتحذر الأمريكية هولاند من أن الأطفال الذين يولدون بضعف في التمييز النغمي يواجهون تحديات في تعلم اللغة وقراءة النصوص مستقبلاً.

وفي بوسطن حالياً، تُجرى دراسات لتحديد قدرة الأطفال في سن الثالثة على التمييز بين الأصوات المتشابهة؛ فإذا عجز الطفل عن التمييز،

يُصنف كحالة محتملة للإصابة بـ “عسر القراءة” (Dyslexia)، وهو اضطراب لا يُشخص عادةً إلا بعد سنوات.

وهنا تبرز أهمية تأثير الموسيقى على الصحة النفسية والدماغ، حيث تتدخل الموسيقى لتقييم ودعم هؤلاء الأطفال مبكراً وتجنيبهم عثرات التعلم المستقبلي.

لغز الإيقاع: لماذا نتحرك مع النغم؟

تُظهر فحوصات الدماغ (EEG) لحديثي الولادة قدرتهم الفطرية على اكتشاف “النبض” أو الإيقاع في الموسيقى.

وبالرغم من أن كبار الموسيقيين قد يعجزون عن وصف ماهية الإيقاع لغوياً، إلا أن العلم يؤكد أننا نولد بهذه القدرة.

وعند بلوغ الطفل ستة أشهر، يبدأ في تنظيم جسده ليتحرك مع الموسيقى، وهو ما يعكس ما يعرفه دماغه بالفعل.

وتفسر الدكتورة هولاند ذلك بالنظر إلى ماضينا التطوري؛ حيث استُخدمت الموسيقى لتسهيل المهام الجماعية الكبرى.

وتستشهد بـ “أغاني البحارة” (Sea Shanties) التي كانت تساعدهم على مزامنة جهودهم لرفع الأشرعة الثقيلة وتحميل البضائع؛

فبدون الإيقاع الموحد، كانت الفوضى ستسود ويتوقف العمل.

الموسيقى كعلاج للاضطرابات العصبية

إن القدرة الفطرية على الاندماج مع الإيقاع تلازمنا طوال الحياة، ولا تختفي حتى مع الإصابة باضطرابات الحركة

مثل مرض “باركنسون” أو السكتة الدماغية.

بصفتنا معالجين بالموسيقى، نستخدم العنصر المنظم للإيقاع لمساعدة المصابين بالسكتة الدماغية على المشي بشكل أفضل.

وتقول الدكتورة هولاند: “نحن هنا لا نعالج الساق المشلولة أو العرض الظاهر، بل نستهدف السبب عبر تغيير الآليات العصبية الأساسية”.

ومن خلال هذا النهج، يتجلى تأثير الموسيقى على الصحة النفسية والدماغ في قدرتها على إعادة بناء الشبكات العصبية التي تضررت

ولم تعد قادرة على التواصل مع الجسم.

التوحد والقدرة على النطق

في حالات التوحد، لاحظت الدكتورة هولاند أن الأطفال يستجيبون للإشارات المغناة أفضل من الكلمات المنطوقة.

والسبب العلمي يعود لبنية في الدماغ تسمى “اللحيمة المقوسة” (Arcuate Fasciculus)،

والتي تكون أكثر سمكاً في النصف الأيمن (المسؤول عن اللحن)

لدى الأطفال غير الناطقين بالتوحد، مقارنة بالنصف الأيسر (المسؤول عن الكلام).

لذا، تصبح الموسيقى هي نقطة الدخول إلى عالمهم، حيث تساعدهم على تمييز الأصوات وفهم معانيها، مما يحفز تطور النطق لديهم.

كما يُستخدم الغناء لإصلاح شبكات اللغة لدى الناجين من السكتات الدماغية،

حيث يمتلك المغنون المحترفون شبكات عصبية أقوى، مما يلهم المعالجين لاستخدام بروتوكولات الغناء لاستعادة القدرة على التعبير عن الأفكار والمشاعر.

“Conquest of Paradise”: قصة اللحن الذي غزا العالم.. كيف صنع “فانجيليس” موسيقى الخلود؟

الموسيقى كـ “ملعقة سكر” للدواء

يصف العلم الموسيقى بأنها طب مغلف بـ “ملعقة من السكر”؛ فهي مألوفة، ممتعة، وغير غازية للجسم.

نحن نستخدمها لتسكين الألم، وتبديد الخوف، ومواجهة تحديات الحياة الكبرى.

وتروي الدكتورة هولاند قصة “كيفن” في دار الرعاية، الذي اختار تأليف موسيقى جنازته وأغنية حب لزوجته، مما منحه معنىً عميقاً في أيامه الأخيرة.

كما تساعد الموسيقى في تحفيز “استجابة الاسترخاء” قبل العمليات الجراحية؛ فقلب المريض المضطرب يصعب تخديره،

بينما تساعد الموسيقى على تقليل الحاجة للأدوية المسكنة والمخدرة.

وعن تجربتها الشخصية مع مرض السرطان، تقول: “خلال 15 شهراً من العلاج الكيميائي، كان تأثير الموسيقى على الصحة النفسية والدماغ هو ما منحني الأمل.

الموسيقى ساعدتني على العمل مع الأدوية لا ضدها، وحمتني من القلق الذي يعد أكبر ناتج ثانوي لتشخيص السرطان”.

أكثر من مجرد ترفيه

سواء في صالات الجيم أو في مراكز إعادة تأهيل القلب، تظل الموسيقى هي المحفز الأكبر للاستمرار وبذل الجهد.

وتؤكد الدكتورة هولاند أن العلاج بالموسيقى صمد أمام اختبار الزمن وصرامة العلم الحديث.

وتختتم حديثها بالقول: “عندما ترون معالجاً موسيقياً يدخل مستشفى ومعه جيتار، لا تظنوا أنه جاء للترفيه أو الأداء الفني؛

فهذا مجرد منتج ثانوي سحري.

هدفنا الرئيسي هو إحداث تغييرات عصبية وظيفية تعالج التوتر، والألم، والخوف، واضطرابات النطق، والحركة”.

إن هذا العمل يرتكز على علاقة إكلينيكية مبنية على التعاطف والرحمة،

 وهو ما يجعل تأثير الموسيقى على الصحة النفسية والدماغ واحداً من أنبل وأجمل مجالات الخدمة الإنسانية التي تدعونا الدكتورة هولاند

لتبنيها في لحظات ضعفنا وتحدياتنا الصحية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى