نرجس محمدي ومعضلة جائزة نوبل للسلام .. هل تحولت الجائزة إلى أداة سياسية لخدمة أجندات دولية؟
تصدر اسم الناشطة الإيرانية نرجس محمدي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2023، العناوين العالمية مجدداً، ليس بسبب نشاطها الحقوقي هذه المرة، بل جراء تدهور حاد في حالتها الصحية استدعى نقلها من سجنها إلى المستشفى في مدينة زنجان شمال غرب العاصمة طهران.
تعود تفاصيل الأزمة إلى توقيفها في ديسمبر الماضي بمدينة مشهد شرقي إيران، بعد انتقادات لاذعة وجهتها للسلطات الدينية،
وسط تقارير من أنصارها تشير إلى تعرضها لأزمة قلبية في أواخر مارس الماضي دون تلقي رعاية طبية كافية.
تعد نرجس محمدي رمزاً للمطالبة بحقوق المرأة في إيران، حيث قضت سنوات طويلة خلف القضبان بسبب مواقفها السياسية.
ومع فوزها بلقب نوبل للسلام، انقسم الرأي العام العالمي بين مؤيد يرى فيها صوتاً للمقهورين، ومعارض يرى أن الجائزة تُستخدم كأداة ضغط سياسي على الأنظمة التي لا تتماشى مع الهوى الغربي.
هذا الملف يفتح الباب واسعاً للتساؤل حول معايير الفوز بنوبل، وهل أصبحت الجائزة أداة في يد القوى الكبرى، لاسيما عند النظر في علاقة بعض الفائزين بإسرائيل ومخططاتها في المنطقة.
تحولات معايير الفوز بنوبل .. من صناعة السلام إلى دعم المعارضة
في الأصل، نصت وصية ألفريد نوبل على أن تمنح الجائزة لمن بذل أكبر قدر من العمل للإخاء بين الأمم، وإلغاء أو تخفيض الجيوش الدائمة.
لكن العقود الأخيرة شهدت انزياحاً واضحاً في هذه القواعد.
يشير مراقبون وتقارير صادرة عن مراكز أبحاث مثل غلوبال ريسيرش إلى أن تسييس جائزة نوبل أصبح واقعاً ملموساً،
حيث انتقلت اللجنة من مكافأة صانعي السلام الفعليين الذين ينهون الحروب، إلى مكافأة النشطاء السياسيين الذين يساهمون في زعزعة استقرار أنظمة معارضة للغرب تحت غطاء حقوق الإنسان.

هذا التغيير في معايير الفوز بنوبل جعل الجائزة تذهب مراراً لشخصيات تخدم أجندات التغيير من الداخل.
فبينما يتم الاحتفاء بأسماء مثل نرجس محمدي للضغط على طهران، نجد تجاهلاً تاماً لانتهاكات صارخة في مناطق أخرى،
مما يضع مصداقية اللجنة النرويجية على المحك ويثير تساؤلات حول نزاهة الأهداف الكامنة وراء الاختيارات السنوية.
نوبل للسلام وإسرائيل .. سجل حافل بالمتناقضات والجوائز المريبة
تثير علاقة جائزة نوبل للسلام بإسرائيل تساؤلات أخلاقية عميقة في الوجدان العالمي.
فبينما تُمنح الجائزة لنشطاء في دول محور المقاومة بتهمة انتهاكات حقوق الإنسان، منحت اللجنة الجائزة لشخصيات إسرائيلية تمتلك
سجلاً حافلاً بالعمليات العسكرية والدامية.
أبرز هؤلاء كان مناحيم بيغن عام 1978، الذي فاز بالجائزة رغم تاريخه كزعيم لمنظمة إرغون الإرهابية، المسؤولة عن تفجير
فندق الملك داود ومذبحة دير ياسين الشهيرة.
لم يلتفت العالم حينها إلى السجل الإجرامي لبيغن، بل جرى تلميعه سياسياً عبرالجائزة.
وكذلك الحال مع إسحق رابين وشيمون بيريز عام 1994، حيث لم تمنع نوبل الأخير من ارتكاب مجزرة قانا في لبنان بعد ذلك بعامين فقط.
تشير تقارير صحفية في هآرتس وصحف أوروبية رصينة إلى أن منح هؤلاء الجائزة كان يهدف لتلميع صورة إسرائيل دولياً
وتسويق حلول سياسية تضمن أمنها وتوسعها على حساب الحقوق الفلسطينية، مما يعزز فرضية تسييس جائزة نوبل بشكل فج.
ناشطات تحت المجهر .. توكل كرمان وماريا كورينا ماتشادو
لا يقتصر الجدل على إسرائيل بشكل مباشر، بل يمتد إلى الشخصيات التي يُدفع بها إلى واجهة نوبل لدعم تحولات سياسية
تخدم مصالح دولية معينة.
الناشطة اليمنية توكل كرمان، التي نالت الجائزة في 2011، واجهت انتقادات واسعة تتهمها بالانحياز لتيارات سياسية مدعومة من الخارج، والمساهمة في جر اليمن إلى نفق مظلم من الصراعات التي خدمت في النهاية ترتيبات إقليمية تضعف الدولة اليمنية.
أما في أمريكا اللاتينية، فتبرز المعارضة الفنزويلية الشهيرة ماريا كورينا ماتشادو، التي نالت الجائزة على حساب الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب العام الماضي.
ماتشادو، المعروفة بصلاتها الوثيقة بمركز القرار في واشنطن ودعمها المعلن للسياسات الإسرائيلية،
تُعد مثالاً صارخاً لكيفية استخدام صورة الحائز على نوبل المحتمل لخلق شرعية دولية لشخصيات تهدف لإسقاط أنظمة وطنية
لا ترضى عنها دوائر صناع القرار في الغرب.
وهو ما تعتبره مراكز أبحاث روسية وصينية نوعاً من القوة الناعمة الاستعمارية التي تتستر خلف عباءة نوبل للسلام.
آبي أحمد وإسرائيل .. السلام الذي تحول إلى حرب مدمرة
يعد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الحائز على الجائزة عام 2019، أحد أكثر النماذج إثارة للدهشة والجدل.
نال الجائزة ظاهرياً لإنهاء الصراع مع إريتريا، ولكن سرعان ما انكشف وجهه الآخر في حرب تيغراي الدامية التي خلفت مئات الآلاف من الضحايا.
المثير للاهتمام هنا هو العلاقات الاستراتيجية العميقة التي تربط آبي أحمد بإسرائيل، خاصة في مجالات الأمن والتقنيات العسكرية.
ففي الوقت الذي كان يُسوق فيه كرجل سلام عالمي، كانت التقارير تشير إلى استخدام تكنولوجيا ومسيرات إسرائيلية في صراعاته الداخلية،
مما يعزز فرضية أن الجائزة تُمنح أحياناً كمكافأة على التموضع الجيوسياسي الصحيح تجاه الغرب وإسرائيل، وليس بناءً على ممارسة السلام الفعلي على الأرض.
مفارقة دونالد ترامب .. لماذا فشل الأفضل لإسرائيل في نيل نوبل؟
من المفارقات الصارخة التي تؤكد تسييس جائزة نوبل هو فشل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في الحصول عليها.
رغم أن الحكومة الإسرائيلية ومعظم مراكز الفكر الصهيونية في واشنطن روجت لترامب بوصفه أفضل رئيس لأمن إسرائيل
في التاريخ الحديث بعد نقله السفارة للقدس وعقده لاتفاقيات أبراهام، إلا أن لجنة نوبل رفضت منحه الجائزة.
يرى محللون في صحيفة الغارديان البريطانية ومراكز أبحاث أوروبية أن استبعاد ترامب لم يكن بسبب غياب الإنجاز بمفهوم تل أبيب،
بل لأن شخصية ترامب التصادمية وعدم التزامه بالقواعد الليبرالية الجديدة التي تتبناها النخبة النرويجية جعلت من الصعب منح شرعية له.
هذا يؤكد أن نوبل للسلام لا تُمنح فقط لمن يحقق نتائج سياسية، بل لمن يتبنى الأجندة الثقافية والسياسية التي ترضاها الدوائر الغربية،
وهو ما توفر في نرجس محمدي وغاب عن ترامب رغم خدماته الجليلة لإسرائيل ومخططاتها.
الرئيس الأمريكي يُطلق تسمية “مضيق ترامب” على هُرمز | ويهدد إيران ببندقية بالذكاء الاصطناعي
جائزة نوبل في مهب الريح السياسية
بينما ترقد نرجس محمدي في مستشفاها بين قضبان السجن والوعود الدولية، تظل جائزة نوبل للسلام محاصرة باتهامات الانحياز وتغيير المعايير.
إن مراجعة سجل الحائزين عليها في العقود الأخيرة، من مناحيم بيغن إلى آبي أحمد، وصولاً إلى استبعاد ترامب رغم جهوده التطبيعية،
يؤكد أن معايير الفوز بنوبل لم تعد مرتبطة بتلك الوصية الإنسانية التي تركها مخترع الديناميت.
لقد تحولت الجائزة، بحسب تقرير لمركز ستراتفور للدراسات، إلى أداة جيوسياسية تُستدعى حين يُراد شيطنة نظام ما كما في حالة إيران
والناشطة نرجس محمدي،
وتُمنح لتبييض صفحة حلفاء كما في حالة القادة الإسرائيليين، مما يجعل من لقب حائز على نوبل للسلام لقباً مثيراً للريبة
أكثر منه مثيراً للفخر في نظر الشعوب التي تعاني من ويلات هذه السياسات المزدوجة.
إن تسييس جائزة نوبل لم يعد مجرد تهمة، بل أصبح واقعاً تثبته الأرقام والأسماء والتوجهات السياسية للفائزين بها في القرن الواحد والعشرين.



