سهير زكي.. أيقونة الرقص الشرقي الراقي التي طوعت ألحان أم كلثوم
غيب الموت عن عالمنا أمس السبت، نجمة من أبرز نجمات زمن الفن الجميل، الفنانة والراقصة المصرية الشهيرة سهير زكي،
بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفني جعلتها تتربع على عرش “الرقص الشرقي الراقي” لعقود طويلة.
رحلت سهير زكي تاركةً وراءها إرثاً فنياً نقياً، ومدرسةً فريدة في الأداء الحركي لم ولن تتكرر، لتطوي بذلك صفحة ناصعة
من صفحات الإبداع المصري الأصيل.
سهير زكي.. مفهوم الرقص الشرقي الراقي
لطالما ارتبط اسم سهير زكي بمصطلح “الرقص الشرقي الراقي”، وهو الفن الذي لم يكن بالنسبة لها مجرد حركات استعراضية،
بل كان لغة تعبيرية سامية.
يعتمد أسلوب سهير زكي على الانسيابية الفائقة والليونة الطبيعية، بعيداً كل البعد عن الابتذال أو العري أو الإيحاءات غير اللائقة
التي طغت على هذا الفن كثيرا.
لقد استطاعت سهير زكي أن تجعل من الرقص الشرقي أداة فنية لتعزيز الأنوثة الواثقة، حيث كان أداؤها يتميز بالتهذيب والحشمة في الحركة،
مما جعلها المفضلة لدى العائلات والملوك والرؤساء.
كانت حركاتها الموزونة تعكس ثقة كبيرة بالنفس وتبرز اللياقة البدنية العالية، حيث كانت تكتفي بحركات الخصر واليدين لترجمة
النغمات الموسيقية الصعبة إلى لوحات بصرية مبهرة، مما أكسبها لقب “أجمل من رقصت بمصر”.
التحدي الأكبر: الرقص على ألحان كوكب الشرق
تعتبر قصة رقص سهير زكي على أغاني السيدة أم كلثوم واحدة من أهم المحطات في تاريخ الموسيقى العربية.
في البداية، كان من المحرمات الفنية أن يتجرأ أحد على استخدام
ألحان “ثومة” في الرقص، وعندما علمت أم كلثوم أن هناك راقصة شابة تدعى سهير زكي ترقص على أغنية “إنت عمري”، غضبت بشدة وذهبت لتشاهدها بنفسها في إحدى الحفلات لتقرر منعها.
لكن المفاجأة كانت مذهلة؛ فبمجرد أن رأت أم كلثوم أداء سهير زكي، وما يتمتع به من رقي واحترام للنغمة، تراجعت عن موقفها وقالت جملتها الشهيرة: “كنت ناوية أمنعك، لكن لقيتك بتغني بجسمك”.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت سهير زكي الراقصة الوحيدة التي نالت “البركة” الكلثومية، لتتألق لاحقاً في الرقص على روائع مثل “ليلة حب”
و”ألف ليلة وليلة”.
فيلم “الست”: كيف تعمد صناع العمل تشويه الصورة الذهنية لأسطورة كوكب الشرق؟
الحياة العائلية: زوج سهير زكي وسر الاستقرار
خلف الأضواء والشهرة، كانت سهير زكي تعيش حياة هادئة ومستقرة.
تزوجت من المصور السينمائي الشهير محمد عمارة، وجمعتهما قصة حب قوية قائمة على الاحترام المتبادل وتفهم طبيعة عملها.
لم تكن سهير زكي مجرد فنانة ناجحة، بل كانت زوجة وأماً مخلصة.
أنجبت من زوجها ابنهما الوحيد “محمد”، وحرصت طوال مسيرتها على الفصل التام بين حياتها المهنية وحياتها الخاصة.
كان زوجها بمثابة السند والداعم لها في مسيرتها، وهو ما ساعدها على الحفاظ على صورتها الراقية أمام الجمهور،
بعيداً عن الشائعات والأزمات التي تلاحق نجمات الاستعراض عادةً.
قصة الاعتزال: نصيحة سامية جمال الغالية
جاء قرار اعتزال سهير زكي للفن في أوائل التسعينات، وهو القرار الذي صدم جمهورها، لكنه كان نابعاً من قناعة شخصية تامة.
وتكشف الكواليس عن دور كبير للفنانة الراحلة سامية جمال في هذا القرار.
ففي جلسة ودية جمعت بينهما، نصحت سامية جمال زميلتها سهير زكي قائلة: “يا سهير، الفن مجد زائل، لكن الأسرة والحياة العائلية هي الباقية.. اعتزلي وأنتِ في قمة مجدك لكي يظل الجمهور يتذكرك بصورتك الجميلة، واهتمي ببيتك وابنك”.
عملت سهير زكي بهذه النصيحة الغالية، وقررت الابتعاد عن الأضواء تماماً، ورفضت العودة رغم كل الإغراءات المادية،
مفضلةً أن تعيش دور الزوجة والأم والجدة بسلام وهدوء.
رحلة المرض وساعات الوداع الأخيرة
عانت الفنانة الراحلة في سنواتها الأخيرة من بعض الأمراض المرتبطة بتقدم العمر، حيث ترددت أنباء عن إصابتها بوعكة صحية حادة
استلزمت دخولها المستشفى عدة مرات.
وأفادت المصادر المقربة أن سبب الوفاة يعود إلى تدهور مفاجئ في وظائف الجسم نتيجة مضاعفات صحية عانت منها في الأشهر الأخيرة.
رحلت سهير زكي بهدوء، تماماً كما عاشت حياتها بعد الاعتزال، بعيداً عن صخب الكاميرات، تاركةً خلفها حزناً كبيراً في قلوب محبيها
وزملائها في الوسط الفني الذين نعوها بكلمات مؤثرة، مؤكدين أنها كانت “هرم الرقص الشرقي” الأخير.
علامة فارقة
ستظل سهير زكي علامة فارقة في تاريخ الفن المصري، فقد أثبتت للعالم أن الرقص يمكن أن يكون فناً رفيعاً يحترم المشاهد ويغذي الروح.
إن قصة نجاحها، من بداياتها البسيطة في المنصورة وصولاً إلى العالمية، ستبقى درساً في الإصرار والرقي.



