أزمة فولكسفاجن تفضح هشاشة الاقتصاد الألماني.. هل ينهار عمود الصناعة ؟
تشهد صناعة السيارات الألمانية واحدة من أصعب أزماتها التاريخية، حيث تواجه مجموعة فولكسفاجن تحديات متراكمة تهدد مكانتها كرمز للجودة والابتكار.
فمن سيارة الخنفساء التي جسدت معجزة الاقتصاد الألماني بعد الحرب، إلى طرازات الجولف والأودي والبورش وسكودا وسيات، ارتبطت هذه العلامات بأجمل الذكريات لدى محبي السيارات حول العالم، خاصة في المنطقة العربية.
لكن ما يجمع هذه العلامات اليوم ليس فقط الإرث الألماني، بل انتماؤها إلى مجموعة تواجه ضغوطاً غير مسبوقة على عدة جبهات.
في قلب هذه التطورات، يبرز الصراع النقابي الذي شهدته المصانع الألمانية مؤخراً، والذي وصفته نقابة «إيجي ميتال» بأنه الأعنف في تاريخ صناعة السيارات في البلاد.
شمل الإضراب تسعة مصانع، وسط مخاوف الموظفين من فقدان وظائفهم.
جذور الإرث الألماني وبداية الأسطورة
تعود قصة فولكسفاجن إلى ثلاثينيات القرن الماضي، عندما كلف أدولف هتلر المهندس فرديناند بورش بتصميم «سيارة الشعب».
نجح التصميم المميز الذي عرف لاحقاً بالخنفساء، وافتتحت الحكومة النازية المصنع في فولفسبورغ.
أوقفت الحرب العالمية الثانية هذه الخطط، وتحول المصنع إلى إنتاج الأسلحة.
بعد الحرب، تسلمت ولاية ساكسونيا السفلى الإدارة من السلطات البريطانية، وبدأت مرحلة جديدة.
بحلول عام 1955 وصلت الشركة إلى إنتاج مليون سيارة، لتصبح جزءاً أساسياً من المعجزة الاقتصادية لألمانيا الغربية.
انتشرت الخنفساء والجولف والبولو في الأسواق العالمية، بما فيها السوق الأمريكية، وفتحت مصانع في الخارج.
أصبحت هذه السيارات رمزاً للموثوقية، حتى إنها ظهرت في أفلام هوليوود كشخصية رئيسية أو مرافقة للأبطال.
ومع مرور الوقت استحوذت المجموعة على علامات أخرى مثل أودي الألمانية وسيات الإسبانية ولامبورغيني الإيطالية وسكودا التشيكية،
لتبني إمبراطورية صناعية مترامية الأطراف.
صعود حزب البديل من أجل ألمانيا وتأثير حرب إيران على الاقتصاد الألماني وحكومة ميرتس
هذا التاريخ الطويل من النجاحات لم يمنع الشركة من مواجهة هزات كبيرة.
أبرزها فضيحة الديزل عام 2015، عندما ثبت تلاعبها في اختبارات العوادم لنحو 11 مليون سيارة، مما كلفها غرامات بلغت نحو 30 مليار يورو.
جاءت بعدها موجة المنافسة الصينية لتضرب الصناعة الألمانية في مقتل.
تفاصيل الصراع النقابي والأزمة المالية الراهنة
تدور المفاوضات حالياً حول مقترحات متباينة.
تطالب النقابة بالحفاظ على عدد العاملين دون تسريح أي شخص، مقابل خفض ساعات العمل مع الاحتفاظ بالأجور نفسها، إضافة إلى التخلي عن بعض المزايا.
وتقدر النقابة أن هذا الإجراء سيوفر نحو 1.5 مليار يورو سنوياً.
في المقابل، تتمسك إدارة الشركة بضرورة خفض عدد العمال وربما إغلاق بعض المصانع، معتبرة أن المقترح النقابي لن يحل الأزمة المالية على المدى الطويل.
تشير الأرقام إلى حجم الضغط: انخفضت الأرباح شهراً بعد شهر، ووصلت الخسائر في هذه السنة وحدها إلى حدود 60%.
كما جاءت توقعات المبيعات مخيبة للآمال، حيث تتوقع الشركة انخفاضاً بنسبة 0.7% لتصل إلى 320 مليار يورو، بعد أن كانت تأمل في نمو يصل إلى 5%.
وفي إطار برنامج الكفاءة الذي أطلقته العام الماضي، تسعى الشركة إلى توفير 10 مليارات يورو بحلول عام 2026، وهو ما يعني بالضرورة إجراءات تقشف إضافية.
توظف الشركة في ألمانيا وحدها نحو 250 ألف شخص، وأي اهتزاز في أوضاعها ينعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني.
يحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الوضع قد يمتد تأثيره إلى شركات أخرى في القطاع، مما يكبد الاقتصاد الألماني خسائر كبيرة.
الأسباب الهيكلية وراء التراجع
تتجاوز المشكلة الصراع النقابي لتصل إلى جذور أعمق في صناعة السيارات الألمانية ككل.
أولاً، اعتمدت الشركات الألمانية لعقود طويلة على محركات الاحتراق الداخلي، وهو الاختراع الألماني الذي يعود إلى أكثر من 150 عاماً.
تأخرت في استيعاب التحول نحو السيارات الكهربائية، وما زالت تستورد البطاريات، وهي الجزء الأساسي في هذه السيارات، من الصين وكوريا الجنوبية ودول أخرى.
ثانياً، تفرض معايير الاتحاد الأوروبي الصارمة بشأن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ضغوطاً إضافية.
فالعديد من الموديلات الحالية غير قادرة على الالتزام بها، مما يعرض الشركات لغرامات بمليارات اليورو.
أفضل سيارة كهربائية صينية.. قصة الصعود الصاروخي للسوق والصناعة
ثالثاً، الاعتماد الكبير على السوق الصينية، التي كانت تمثل نحو نصف إيرادات شركات السيارات الألمانية بما فيها فولكسفاجن ومرسيدس وأودي.
انخفضت مبيعات الشركة في الصين، أكبر أسواقها، بنسبة 12% في الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، بعد أن فقدت التفوق لصالح العلامة الصينية بي واي دي.
كما تراجع الطلب في أوروبا بنسبة 1%، رغم أن حصة الشركة هناك تبلغ نحو 25.9%.
رابعاً، تكاليف الإنتاج المرتفعة داخل ألمانيا. تبلغ تكلفة ساعة العمل في صناعة السيارات الألمانية 62 يورو، مقارنة بـ47 يورو في فرنسا و29 يورو في إسبانيا و16 يورو فقط في المجر.
علاوة على ذلك، لا تستغل المصانع طاقتها الإنتاجية الكاملة؛ ففي فولفسبورغ تصل النسبة إلى 61%، وفي دريسدن إلى 30% فقط، بينما يحتاج المصنع إلى استغلال 80% على الأقل لتغطية التكاليف.
وتعاني شركات أخرى مثل مرسيدس من نسب مشابهة تقترب من 44%.
التأثير على الاقتصاد الألماني ككل
يشرح الخبير الاقتصادي علي العبسي أن ما يحدث ليس مجرد مشكلة شركة واحدة، بل نموذجاً لما تعانيه صناعات ألمانية أخرى.
فصناعة السيارات هي العمود الفقري للاقتصاد الألماني، وتمثل أكبر صادرات البلاد بأكثر من 400 مليار يورو سنوياً، تليها الصناعات الكيميائية بنحو 250 مليار يورو.
وهي صناعة متشابكة مع قطاعات المعادن والكيماويات والبلاستيك والكهرباء والأخشاب، لذا فإن أي اهتزاز فيها يتردد صداه في الاقتصاد بأكمله.
يذكر العبسي أن ألمانيا تعاني من انكماش اقتصادي للسنة الثانية على التوالي، والسبب الرئيسي يعود إلى القطاع الصناعي نفسه.
وتنتج شركات السيارات الألمانية أكثر من 14 مليون سيارة سنوياً، لكن 4 ملايين منها فقط تُصنع داخل ألمانيا، بينما يُنتج الباقي في الخارج.
لذلك تتركز الضغوط حالياً على الإنتاج المحلي، بينما تظل المجموعة ناجحة نسبياً في الأسواق الخارجية، بما في ذلك الصين والولايات المتحدة.
هل تستعيد سيارة الشعب مجدها؟
رغم كل التحديات، يرى مراقبون أن الشركة تمتلك القدرات المالية والعلمية والبشرية اللازمة لتطوير صناعة السيارات الكهربائية واللحاق بالمنافسين.
إلا أن المشكلة الأساسية تظل محلية أكثر منها دولية.
فقد تتحول «سيارة الشعب» الألمانية تدريجياً إلى سيارة شعب عالمية، مع تخفيف الاعتماد على المصانع داخل ألمانيا بسبب التكاليف المرتفعة.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحاً أمام الجميع: هل تستطيع المجموعة تجاوز هذه المرحلة كما تجاوزت أزمات سابقة، من الحرب العالمية الثانية إلى فضيحة الديزل؟
أم أن التغيرات الهيكلية في السوق العالمية ستفرض واقعاً جديداً على أحد أبرز رموز الصناعة الألمانية؟
الإجابة ستتشكل في الأشهر والسنوات المقبلة، وسط مفاوضات مستمرة بين الإدارة والنقابات، وسباق محموم نحو التحول الكهربائي.
المصدر : قناة دي دبليو الألمانية



